ابن يعقوب المغربي
673
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
والواو في : وأحب فيه ملامة يحتمل أن تكون واو الحال من غير تقدير المبتدأ على مذهب من يجوز موالاة المضارع المثبت واو الحال ، أو بتقدير المبتدأ على مذهب من لا يجوز ، أي : كيف أحبه مع حبي فيه الملامة ، فالمنكر في الحقيقة هو مصاحبة تلك الحال لا كونه يحبه ، مع مفارقة حبه لمضمون هذه الحال ، كما يقال : أتصلى وأنت محدث ؟ فالمنكر هو وقوع الصلاة مع الحدث لا وقوع الصلاة من حيث هي ، وكما نقول أتتكلم وأنت بين يدي الأمير ؟ فالمنكر هو كونه يتكلم مع كونه بين يدي الأمير ، ويحتمل أن تكون تلك الواو للعطف ، والعطف بالواو وإن كان لا يقتضي المعية ، لكن يقتضي الاجتماع في الحكم ، فحبه وحب اللوم فيه يقتضي عطف أحدهم على الآخر ، اجتماعهما في الوقوع من شخص واحد وهو الحكم ، وهذا الاجتماع هو محط الإنكار أي : كيف يجتمع حبه وحب اللوم في الوقوع منى ؟ وهذا النوع الأحسن فيه بيان العلة ، بل لا بد فيه من بيانها ؛ لأنه إن لم يبينها فهو دعوى للنقض بلا بينة ، وهو غير مسموع ، فلو قال هنا : أأحبه وأحب فيه ملامة ، كان دعوى لعدم الصحة بلا دليل ولا يفيد ، بل الكلام المنقوض ينبغي فيه بيان العلة أيضا ؛ لأن هذا المنزع أخرج لباب المعارضة والإبطال ، وهو يفتقر لدليل التصحيح والإبطال ، فناسب الإتيان بالعلة من الطرفين ، فلا بد منها إلا أن تكون ظاهرة كقول أبي تمام : ونغمة معتف جدواه أحلى * على أذنيه من نغم السماع " 1 " والمعتفي الطالب ، والجدوى النفع ، والسماع أريد به ما يحسن سماعه كالعود ، ومعنى البيت أن هذا الممدوح لفرط محبته للكرم والإعطاء تصير عنده نغمة السائل لحب سؤاله لإعطائه أحلى من نغمات العود ونحوه ، وهذا الحكم علته ظاهرة ، وهي حب الإعطاء والكرم ، فإنه هو السبب في كون نغمة السائل كنغمة العود ، وقد ناقضه المتنبي بقوله : والجراحات عنده نغمات * سبقت قبل سيبه بسؤال " 2 "
--> ( 1 ) البيت لأبى تمام ، في الإيضاح ص ( 348 ) ، وشرح المرشدى على عقود الجمان ( 2 / 180 ) . ( 2 ) البيت للمتنبى ، في الإيضاح ص ( 348 ) ، وشرح المرشدى ( 2 / 180 ) .